الإفطار على الأرض وقتٌ مطبوع في إمساكية. أما في الطائرة فلا إمساكية تنطبق عليك: تعبر منطقة زمنية كل ساعة تقريبًا، وللمدينة التي غادرتها غروبها، وللمدينة التي تقصدها غروب آخر. فيسأل المسافرون أيّهما يتّبعون، والجواب الصحيح: لا هذا ولا ذاك.

ينتهي الصوم بغروب الشمس، والغروب حدثٌ يُرى بالعين. والذي يتغير في الطائرة هو موضعك حين يقع، وارتفاعك حين تراه، وسرعة حركتك بالنسبة إليه. والثلاثة قابلة للقياس، فقسناها، ثم بيّنّا الرخصة التي تجعل ذلك كله اختياريًا.

الحكم: الغروب الذي تراه

حدّد القرآن نهاية الصوم بالليل لا بالساعة: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (البقرة: 187). وحدّد النبي ﷺ هذه اللحظة بالمشاهدة: إذا أقبل الليل من هاهنا وأدبر النهار من هاهنا وغربت الشمس فقد أفطر الصائم (صحيح البخاري 1954). وليس في النصين ذكرٌ لمدينة.

والعلماء المعاصرون الذين تناولوا الطيران يطبّقون هذا الحكم مباشرة. فالقول الوارد في فتاوى متداولة، منها فتوى الشيخ ابن باز، أن الصائم في الطائرة يفطر إذا غربت الشمس كما تُرى من الطائرة، ولو كانت قد غربت قبل ذلك عن الأرض التي تحته أو عن مدينة الإقلاع. ولازمُ ذلك لا يقل أهمية: إن أُذّن للمغرب في مدينة إقلاعك وأنت ما زلت ترى الشمس من النافذة، فلم يدخل وقت فطرك.

وفي الواقع قلّ من يرى الأفق الغربي من مقعده، ونادرًا ما تُظهر خريطة الرحلة ارتفاع الشمس. وطاقم الطائرة يستطيع عادةً أن يخبرك هل غربت الشمس، وكثير من شركات الطيران على الخطوط ذات الركاب المسلمين تعلن وقت الإفطار. فإن تعذّر عليك اليقين فالأصل الاحتياط: تمضي في صومك حتى يغلب على ظنك الغروب، لأن من أفطر قبل الغروب خطأً لزمه القضاء.

أربع رحلات في 15 رمضان 2027

يمتد رمضان 1448 وفق تقويم أم القرى من 8 فبراير إلى 8 مارس 2027. أخذنا منتصفه، 22 فبراير، وأربع رحلات طويلة بمواعيد إقلاع واقعية لكنها توضيحية. وفي كل رحلة حرّكنا الطائرة على مسار الدائرة العظمى ثانيةً بثانية، ووجدنا اللحظة التي ينزل فيها مركز الشمس تحت الأفق كما يُرى من ارتفاع 11 كم. وقيس الصوم من الفجر في مدينة الإقلاع لأنها التي تسحّر فيها المسافر.

واتجاه الرحلة يحسم كل شيء تقريبًا. فالمتجه شرقًا يستقبل الليل: تنقص رحلة لندن–كوالالمبور ساعتين ونصفًا من الصوم، ورحلة نيويورك–إسطنبول الصباحية تدرك الغروب فوق شمال الأطلسي في 14:33 بتوقيت نيويورك. والمتجه غربًا يسابق الشمس: فالطائرة التي تقلع من لندن بعد الظهر تبقى في النهار طوال العبور تقريبًا، ولا ترى الشمس تغرب إلا وهي تهبط نحو نيويورك — صومٌ مدته 17 ساعة و39 دقيقة، أطول بأكثر من خمس ساعات من اليوم الذي بدأ فيه.

جداول توضيحية، 22 فبراير 2027 (15 رمضان 1448). الغروب كما يُرى من 11000 م على مسار الدائرة العظمى. مدة الصوم من الفجر (رابطة العالم الإسلامي، 18°) في مدينة الإقلاع. الأوقات بتوقيت مدينة الإقلاع ما لم يُذكر غير ذلك.
الرحلةالإقلاعالغروب من الطائرةالموقعالصومعلى الأرض
لندن ← كوالالمبور11:00بعد 3 س 54 د، 14:5448.2° ش، 44.3° شرق9 س 43 د12 س 18 د
نيويورك ← إسطنبول10:00بعد 4 س 33 د، 14:3354.1° ش، 27.1° غرب9 س 25 د12 س 30 د
دبي ← لوس أنجلوس09:00بعد 8 س 13 د، 17:1383.5° ش، 1.9° شرق11 س 42 د12 س 45 د
لندن ← نيويورك15:00بعد 7 س 50 د، 17:50 نيويورك41.3° ش، 72.7° غرب17 س 39 د12 س 18 د
نيويورك ← إسطنبول
9.4س
لندن ← كوالالمبور
9.7س
دبي ← لوس أنجلوس
11.7س
لندن (على الأرض)
12.3س للمقارنة
لندن ← نيويورك
17.7س
مدة الصوم بالساعات من الفجر في مدينة الإقلاع إلى الغروب كما يُرى من الطائرة. كان الصوم على الأرض في لندن ذلك اليوم 12.3 ساعة.

لماذا تغرب الشمس متأخرةً على ارتفاع 11 كيلومترًا

في ارتفاع الطيران لا يكون الأفق في مستوى العين بل تحته، لأنك تنظر إلى الأسفل فوق تحدّب الأرض. وتسمى هذه الزاوية انخفاض الأفق. وهي على ارتفاع 11000 متر 3.36° هندسيًا، ونحو 3.08° بعد احتساب الانكسار الجوي، وهي القيمة التي اعتمدناها. فلا بد أن تنزل الشمس نحو ثلاث درجات زيادةً حتى تختفي عن الطائرة، مقارنةً بمن يقف على الأرض تحتها مباشرة.

وثلاث درجات من مسير الشمس ليست زمنًا يسيرًا. فللراصد الثابت تؤخر الغروب ما بين 12 و26 دقيقة بحسب خط العرض، لأن الشمس تهبط عند خط الاستواء هبوطًا عموديًا، وكلما اتجهنا شمالًا صار هبوطها مائلًا. وفي الطائرة المتحركة يكبر الأثر أو يصغر بحسب الاتجاه: شرقًا تطير الطائرة نحو الغسق فيقل الفرق عن 12 دقيقة، وغربًا يطول — 35 دقيقة في رحلة لندن–نيويورك، و47 فوق القطب الشمالي.

وهذا هو السبب الملموس لعدم صحة الاعتماد على «غروب الأرض التي تحتك». فالمسافر على رحلة لندن–نيويورك لو أفطر على غروب الأرض التي تحته لأفطر قبل غروب الشمس عن موضعه بخمس وثلاثين دقيقة.

تأخر الغروب على ارتفاع 11000 م مقارنةً بالأرض تحته مباشرة، 22 فبراير 2027. صفوف «ثابت» لنقطة ثابتة على خط العرض المذكور، وصفوف الرحلات تتبع الطائرة.
الحالةالتأخر
ثابت، خط الاستواء12.5 د
ثابت، 25° ش13.8 د
ثابت، 40° ش16.4 د
ثابت، 51.5° ش (لندن)20.4 د
ثابت، 60° ش25.7 د
لندن ← كوالالمبور (شرقًا)11.8 د
نيويورك ← إسطنبول (شرقًا)11.7 د
لندن ← نيويورك (غربًا)35.5 د
دبي ← لوس أنجلوس (قطبي)47.4 د

المسار القطبي حيث تعود الشمس

يصل مسار الدائرة العظمى الخالص بين دبي ولوس أنجلوس إلى 84.6° شمالًا، أي على نحو خمس درجات ونصف من القطب الشمالي. وفي أواخر فبراير يكون ذلك على حافة الليل القطبي. وعلى مسارنا غربت الشمس عن الطائرة بعد 8 ساعات و13 دقيقة من الإقلاع عند 83.5° شمالًا، ثم أشرقت من جديد بعد 92 دقيقة فوق القطب الكندي والطائرة تنعطف جنوبًا. ولم تنزل الشمس بينهما أكثر من خمس درجات تحت الأفق، وكان باقي الرحلة نهارًا.

فالصوم في هذه الحالة انتهى عند الغروب الذي رآه المسافر، وهذا مقتضى الحكم. أما ما تعنيه عودة الشمس بالنسبة للساعات التالية فمسألة لم تتناولها النصوص الفقهية القديمة، ولا نعلم فيها جوابًا معاصرًا مستقرًا. وهي من الحالات التي يكون فيها سؤال عالمٍ تثق به قبل السفر خيرًا من الاجتهاد على ارتفاع 11000 متر، والرخصة المذكورة أدناه أيسر مخرج منها.

لا يلزمك الصوم أصلًا

كل ما سبق يخص المسافر الذي اختار الصوم. أما القرآن فقد رخّص للمسافر في الفطر: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: 184). والرحلة الجوية الطويلة سفرٌ على تعريف كل المذاهب لمسافة القصر، فالرخصة قائمة، والأيام المفطرة تُقضى بعد ذلك باتفاق المذاهب الأربعة. وتفصيل المفطرات وما لا يفطر في صفحة ما يفسد الصوم.

أما أيّهما أفضل فمسألة خلافية حقيقية. فقد سافر الصحابة مع النبي ﷺ في رمضان، فصام بعضهم وأفطر بعضهم، ولم يَعِب أحدٌ على أحد (رواه البخاري ومسلم). وذهب جمهور الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن الصوم أفضل لمن لا يشق عليه، وذهب الحنابلة إلى أن الفطر أفضل. واتفقوا على أن الفطر أولى إذا صار الصوم مشقة، وصومُ سبع عشرة ساعة في مقصورة جافة جديرٌ بهذا الوصف.

وثمة تفصيل يخص رحلات النهار: من أصبح صائمًا مقيمًا في بيته ثم سافر في أثناء اليوم، فمذهب الحنفية والمالكية والشافعية أنه يتم صوم ذلك اليوم، ومذهب الحنابلة أن له الفطر إذا فارق عمران بلده. ومن اليوم التالي فالرخصة له على كل الأقوال.

والمنطق ذاته — الغروب لا الساعة — هو ما يحكم صيام الصيف الطويل في أقصى الشمال؛ انظر الصيام في خطوط العرض العليا. وللصلاة في الرحلة نفسها، من القبلة إلى الصلاة جالسًا، انظر الصلاة في الطائرة.

أسئلة شائعة

متى أفطر وأنا في الطائرة؟
إذا غربت الشمس كما تُرى من الطائرة. لا على مغرب مدينة الإقلاع ولا مدينة الوصول ولا على غروب الأرض التي تحتك، فالشمس في ارتفاع الطيران تبقى ظاهرة نحو 12 إلى 47 دقيقة أطول من الأرض التي تحتها، بحسب خط العرض والاتجاه.
لماذا يطول الصوم كثيرًا عند السفر غربًا؟
لأن الطائرة تتحرك مع الشمس. ففي رحلة توضيحية من لندن إلى نيويورك تقلع الساعة 15:00 يوم 22 فبراير 2027 لم تغرب الشمس عن الطائرة إلا بعد 7 ساعات و50 دقيقة، فبلغ الصوم 17 ساعة و39 دقيقة مقابل 12 ساعة و18 دقيقة على الأرض في لندن.
هل يجوز لي ترك الصوم لأني مسافر بالطائرة؟
نعم. للمسافر أن يفطر ويقضي بعد ذلك (البقرة: 184). واختلف العلماء في الأفضل حين لا يشق الصوم، واتفقوا على أن الفطر أولى مع المشقة. ومن أصبح صائمًا في بيته ثم سافر، فمذهب الحنفية والمالكية والشافعية أنه يتم ذلك اليوم.
ماذا أفعل إن لم أستطع رؤية الغروب؟
اسأل طاقم الطائرة أو قارن موقع الطائرة بحساب للغروب، فإن بقيت شاكًّا فانتظر حتى يغلب على ظنك الغروب. ومن أفطر قبل الغروب خطأً لزمه القضاء.

← كل المقالات